كتبت/ اسلام العربي
لحظة ألم: أم تدعو على ابنها في الحرم المكي ؟
نشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي مشهد مؤلم لسيدة في متوسط العمر تدعو على ابنها وزوجته؛ كلمات ودموع لا تنم إلا عن داخل يصرخ بحرقة، تدعو عليهما ليس في منزلها بين أهلها والمقربين منها، وليس في مكتب عملها إذا كانت صاحبة وظيفة بين زملائها وأصدقائها، وليس في إحدى مركبات النقل بين من تجدهم صدفة من أقربائها أو أغراب ممن يألفهم قلبها وليس حتى خارج منزلها بين جيرانها، إنما كانت تدعو عليهما في أطهر بقاع الأرض؛ في الحرم المكي، والمفترض أنها ذاهبة لتغتسل من كل ذنوبها فيه متقربة إلى ربها بالصلوات والدعوات، فكان ذهولي من صدمة المشهد أن تحولت ببصري بعيدا عن ذلك الفيديو غير مصدقة!

ليس لأنه لم يحدث أن دعت أم على ابنها من قبل، ولكن لأنني وكذلك الكثير منكم لم يرى تلك المشاهد من قبل فظننت أنها افتعالة البعض عبر برامج الذكاء الاصطناعي للملمة الكثير من اللايكات والمشاهدات، ولكن وها قد وقعت عينى من جديد على بعض منشورات الأصدقاء بالفيسبوك مؤكدة حقيقة المشهد من خلال كبرى القنوات الفضائية فأصابتنى الصدمة من جديد، ما جعلني اتذكر موقف مشابه لسيدة تخطت الخمسين من عمرها في إحدى العيادات تدعو على ابنها وزوجته بحرقة وكأنها وجدت على دكة انتظار الطبيب، وحتى يأتي دورها لتوقيع الكشف الطبي عليها من أحست أنهم سيستمعون إليها ويؤازروها في مصابها؛ في ابنها وبالفعل كانت هناك بعض السيدات من قالت لها:"ربنا يعينك ويقويكي .. وربنا يهديلك ابنك" لكن كانت هناك إحداهن؛ من تحدثت لنفسها جانبا بوجه معترض بشده على ما بدر من تلك
الأم قائلة: " العيب في ابنك" الأغرب، والذي استدعى حزنى بعيدا عما إذا كانت تلك الأم صادقة أم لا في حق ابنها وزوجته، عندما حكت وهي مريضة سكر قائلة: "طلبت من ابنى بعض الكشك لأفطر به قالي لها اطلبي من حنان فطلبت منها فأنكرت وجوده" فقالت الأم:" أمه تطلب منه طلب يقولى روحى اطلبي من حنان وهى تنكر وجود الكشك! دى عملت نص أردب ووزعته على حبايبها" -وحنان هي زوجة ابنها، والتي لم يظهر من اسمها غير الحروف فقط، فلم يكن على غير مسماه-، وكأن الأم تريد أن تستعطف من حولها ليأخذو بقلبها المكسور بكلمة تطيب خاطرها، وفى هذه كنت معها بقلبي، وإن اعترض البعض كيف لها وهى سيدة كبيرة أن تطلب من ابنها طلبا كهذا فيجب أن تعف نفسها عن السؤال- كما تفعل كثير من الأمهات- ولكن عذرها أنه ابنها الوحيد الذي تركه لها زوجها طفلا رضيعا بعد مماته وانكفأت عليه حتى زوجته وكان تكريمه لها أن تركها تذهب للطبيب بمفردها لا هو ولا زوجته، تتنقل من هنا وهناك بين المارة وعجلات المركبات وهى تعانى من وجود مياة بيضاء على عينيها وبالتأكيد سيقرر لها الطبيب عملية، تتحدث الأم وكأنها وحيدة وكأنها منذ زمن لم تتفوه بكلمة لأحد، فلم تجد إلا في زائري طبيب العيون متنفسها الوحيد، وإن كنت أعيب عليها الدخول في تفاصيل التفاصيل التي كان لا يجب أن تحكى في هذا المكان، ولكن نقاؤها الداخلى جعلها تحكى دونما أي تحفظ أو خجل، وصمت الجميع، ولا تختلف مشكلة الأم المريضة هذه عن مشكلة الأم التى ذهبت لتعتمر غير أن الثانية كانت في مكان هو أطهر بقاع الأرض "بيت الله الحرام" والذي نذهب إليه نحن المسلمون للتقرب من الله بالأعمال الصالحة وطلبا للتوبة وهذه حادثة يجب دراستها لأبعادها النفسية والاجتماعية على الفرد والأسرة والمجتمع
؛ فأولا: تسلل شعور الذنب والخوف للأبناء ما قد يؤثر على ثقتهم في أنفسهم، كذلك توتر العلاقة بينهم وبين والديهم ما قد يصل إلى حد القطيعة وأكثر بكثير من هذا، فليس بعد إهانة الابن لوالديه شى يحمد، وقد يصل الأمر لتغيير كبير في سلوكياتهم يصل إلى العدوانية والانطوائية، والنقطة الأهم مستقبلهم؛ فشل في الدراسة او خسارة العمل وهذا على جانب الفرد.
ثانيا: على مستوى الأسرة؛ فكم سمعنا وشاهدنا عبر التلفاز وكذلك عايشنا أمهات طردهم الأبناء من بيوتهم لتصبح مصائرهم الشوارع والملاجئ؛ ما ينتج عنه تفكك الأسرة وعدم استقرارها نهائيا.
ثالثا: تأثيره على المجتمع؛ فتكرار مثل هذه الوقائع قد يؤدى الى انتشار السلوكيات السلبية ما يحولها من حوادث فردية إلى ظواهر اجتماعية.
ومن هنا؛ نقول لهذه الأم ولكل أم الصبر والحكمة سلاحك لبناء أسرة مستقرة وأبناء صالحين وبارين بك والترفع عن صغائر الأمور والاصرار على عدم القطيعة والتواصل مع الأبناء بشكل فعال والاستماع الى شكواهم واستعادة القيم والأخلاق التى غرزتيها فيهم طوال سنوات عمرك معهم
والأهم الدعاء لهم بالخير والهداية بدلا من الدعاء عليهم فكما أمرنا الله -عز وجل- بطاعة الوالدين في كتابة العزيز في قوله تعالى " ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ﴾ [الإسراء: 23]"، نهانا الرسول صلى الله عليه وسلم عن الدعاء على الأبناء في قوله صلى الله عليه وسلم "ولا تدعوا على أولادكم .. لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاءً فيستجيب لكم . رواه مسلم وأبو داود" وكذلك على الأبناء الالتزام بذلك تجاه والديهم. ومن هنا يأتي دور المجتمع تجاه هذه القضية التى اكتفت وسائل الاعلام التقليدية والحديثة فقط بنقاشها نقاشا ساخنا؛ كما ذكرنا آنفا لزيادة نسبة المشاهدات دون خطة مدروسة وحملة مكبرة برعاية الأزهر وكل مؤسسات المجتمع المدنى لعلاج تلك الحوادث من جذورها حتى لا تطل علينا سيدة أخرى تدعو من الحرم على أبنائها ناهيك عن ذلك الأبن الذي حاول قتل والده في الحرم المكى أيضا منذ أيام قليلة لولا رجال الأمن الذين استطاعوا انتزاع الأب بالقوة من بين يدي ابنه منقذينه من موت محقق. وفى النهاية؛ لا يسعنا إلا أن نقول للأبناء احذرو غضبة الأم ولكن بكلمة حانية يمكنكم شراء قلبها لتظل وقلبها بين أياديكم، وللأم بلمسة يد واحدة تسطيعين أن تمسحى عن أبنائك غبار السنين ليلمعوا.
إرسال تعليق